صُنّاع الرأي بمأرب: الإعلام الوطني خط الدفاع الأول عن الهوية والقضية ويؤكد معركة الوعي ويخلّد تضحيات الإعلاميين
حرب إيران تدفع بنوكاً عالمية لإعادة ترتيب عملياتها في الإمارات وقطر
مأساة في رمضان.. لغم حوثي يُنهي حياة أطفال كانوا يرعون الأغنام بمديرية عبس
عضو مجلس القيادة ''الصبيحي'' يبحث في الرياض مع السفير الأمريكي الوضع في اليمن والاعتداءات الإيرانية على دول الخليج والمنطقة
منحة يابانية لدعم مشروع إنساني يستهدف النازحين والمجتمعات المضيفة بمأرب بقيمة 5.3 مليون دولار
لبنان تعد بإنهاء مغامرة حزب الله في الحرب الإيرانية
عاجل: عضو مجلس القيادة الرئاسي سالم الخنبشي يصل المكلا ويهدد باللجوء للحسم العسكري إذا فشلت المفاوضات مع الحوثيين ويتوعد المجلس الانتقالي
منع رفع صور عيدروس الزبيدي في حضرموت والمحافظ يتوعد بإغلاق جميع مقار المجلس الإنتقالي المنحل
مشروع يمر عبر اليمن من شأنه اسقاط القيمة الإستراتيجية لمضيق هرمز وينهي الإبتزاز الإيراني
: عملية نوعية تنجح في ضبط شحنة أجهزة متطورة لتعدين العملات الرقمية في منفذ شحن.. إفشال تهريب الأموال خارج اليمن.. تفاصيل
في الحلقة السابقة كان الحديث عن تجديد الخطاب الإسلامي للشيخ الزنداني من جهة سعة ورحابة دعوته مع المخالفين، وأتناول في هذه الحلقة الحديث عن جانب فريد آخر من خطاب الشيخ يرحمه الله، وهو: جمعه الفريد بين الشريعة والحياة، والسياسة والدين، من خلال مناصبه السياسية والعلمية والفكرية والإعلامية والجهادية، هذا الخطاب الفريد في تقديري مرّ بأطوارٍ عديدة وتطوراتٍ مختلفة.
لقد اكتسب العلامة الزنداني ذلك الحضور المحلي والدولي المتميز والمتألق على الساحة الإسلامية والساحة العالمية، لأنه لم يكن في زاوية ضيّقة من زوايا العلم والدين، بل كان حضوره عارمًا في كثير من ميادين العلم والحياة وميادين الوطن وقضاياه، وكانت كثيرٌ من القنوات الفضائية والصحافة والإعلام تَشرف بإجراء حوار ساخن مع الشيخ الزنداني، من خلال رؤاه العلمية والسياسية الجريئة ولغته الصادقة والصريحة التي لا تعرف المواراة ولا المداهنة، ولذا كانت رؤاه تَلقى قبولًا شعبيًا ورواجًا إعلاميًا. والرجل تجده دومًا في معمعان الملفات الساخنة، كالوحدة اليمنية والحفاظ عليها، والوصفات الاقتصادية لمعالجة أمراض ومضاعفات الجرعات السعرية، في التسعينيات الميلادية، وله أحاديث ماتعة وأدوية إيمانية واقعية للصراعات الحزبية والسياسية والفكرية، ويحمل على كاهله مواجهة ملفات الإلحاد والتغريب والفساد العام والمناهج والتربية والتعليم والإعلام، والصراع العربي الصهيوني، ومتابعة حركات التحرر الإسلامي في العالم الإسلامي، وتجده يناطح بعض الرموز السياسية في البلاد ويواجه وبقوة التدخلات الأجنبية.الخ.
لقد حظي الشيخ الزنداني بولوج ساح السياسة في وقت مبكّر من عمره، منذ رفقته لشيخه الأستاذ أبو الأحرار/ محمد محمود الزبيري، وطبيعته الثورية، ثم إبّان تعيينه وكيلًا لوزارة المعارف بعد ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، ولا تجد حدثًا سياسيًا أو ثقافيًا أو علميًا أو إعلاميًا وطنيًا إلا وتجد الشيخ الزنداني في المقدمة، يقدم الحلول ويطرح العلاج الناجع وفق هدي الإسلام، وبطريقة علمية وأكاديمية نادرة، يحضرها ويتابعها المتخصصون والعلماء، وكل حدث تود أيّ جهة أن يكون مثيرًا ومحل اهتمام في الشارع المحلي والإقليمي والدولي، يكفي أن يذكر اسم الشيخ الزنداني، ولو عرَضًا.
وأود في هذا المقام أن أتناول خطابه الدعوي الإسلامي منذ رفقته للثائر الكبير/ محمد محمود الزبيري إلى أن توفاه الله إلى جواره، ويمكن تلخيص مراحل الدعوة والكفاح والجهاد الزنداني إلى المراحل الآتية:
أولاً: خطابه الإسلامي في فترة السبعينيات .
امتاز خطاب الشيخ الزنداني في هذا الفترة، والتي كانت مرحلة صراع فكري وثوري عنيف في بلاد اليمن، بين عدد من الأفكار الوافدة، من قومية واشتراكية وانتشار للأفكار الشيوعية، فألّف كتابه الشهير المعروف بتوحيد الخالق، للمرحلة المتوسطة والثانوية، فكان هذا الكتاب غيثًا لطلبة المدارس، وتحصينًا من الأفكار الإلحادية الرائجة والسائدة آنذاك، وقد تناول رحمه الله العقيدة، ومفهوم الإيمان، في هذه الكتب المدرسية، بلغة عصرية نادرة، حمل الكتاب بأجزائه الستة الردود على شبهات الملحدين، مما عزّز عقيدة الإيمان في نفوس الشباب، وتسلح طلاب المدارس بالردود على شبهات الملاحدة وتشكيكاتهم، ومنها الردود على نظرية دارون، وعن وجود الله، وعن الطبيعة وقدرتها على الخلق والإيجاد، وأنّ هذا مستحيل لأنها لا تملك سمعًا ولا بصرًا ولا إرادة، ووضع لذلك قوانين ثلاثة تدحض هذه الشبهات، من أبرزها:
وتحول كثير من أتباع المذاهب الشيوعية أو اليسارية والقومية إلى صفّ الدعوة الإسلامية، وبعضهم صاروا رموزًا إسلامية مشتهرة، من أمثال الأستاذ/ عبد الله الواسعي، رحمه الله، والأستاذ / عبد الوهاب الآنسي، حفظه الله، وعدد كبير لا يحصى، وإن كانت تغيب عني التفاصيل الدقيقة لهذه التحولات الفكرية، لهذه الأعلام الدعوية، هل هذه التحولات الفكرية بفعل خطاب الشيخ الزنداني أو بفعل الخطاب الإسلامي عمومًا، أم بسبب حالات الاستقطاب الحزبي في تلك الفترة، لكن قطعًا وبلا شك ولا ريب أزعم أنه كان لخطابات الشيخ الزنداني الأثر الأكبر على الساحة العربية والإسلامية، ولا بد أن تصل إلى كل صاحب فكر وقلم، في شتى المذاهب والحزبيات، بل حتى رموز بعض الأحزاب الاشتراكية والقومية والعلمانية، محليًا وعربيًا وعالميًا، تأثر بدعوة الشيخ الزنداني ، وغيره من حملة دعوة الإسلام، أحياءًا وأمواتًا، لا أود هنا أن أتناولها بالذكر والتفصيل في هذا السياق حتى لا أخرج عن موضوع البحث، وقد أشرتُ إلى بعضها في حلقة حوارات الشيخ.
هذا وقد تولى الشيخ دائرة الإرشاد والوعظ في وزارة الأوقاف، فاتجه جاهدًا لإصلاح الخطاب الإسلامي من خلال دوراتٍ للخطباء والوعاظ والمرشدين، وقد تضمن البرنامج خطابًا هادئا متصلاً بالكتاب والسنة وتجاهلاً متعمدًا للتعصب المذهبي، هذه الخطوة كان لها أثر طيب في الخطاب الدعوي (2) .
ومن القضايا التي أثارها خطاب الشيخ الزنداني في هذه المرحلة، أعني فترة السبعينيات إضافةً إلى سعيه الحثيث لتثبيت وترسيخ الإيمان بمفهومه الواسع في نفوس جيل تلك الفترة، قضايا الحاكمية وقضايا الإيمان بأركانه الستة، واقتراحات الكفار على الله تعالى وأهوائهم الفاسدة، وقضايا الإسلام والحرية، وصلاحية الشريعة للقرن العشرين، وقضايا علم الغيب والإيمان بالله وبالقضاء والقدر، بوجه أخص، وغير من ذلك من المسائل العقدية والإيمانية التي كانت تثار حولها الشبهات(3) .
ثانيًا: خطابه الإسلامي في فترة الثمانينيات .
في هذه المرحلة انتشرت الصحوة الإسلامية إبّان الجهاد الأفغاني، ومواجهة الغزو الروسي لأفغانستان، وتراجع الماركسية بعد هزيمتها الساحقة في أفغانستان، فأثرت هذه المستجدات في عموم الأمة، ومن ثم تميز خطاب الشيخ رحمه الله، بالعالَمية وطرح قضايا إسلامية ذات شأن عالمي عام، ويمكننا تلخيص أبرز ملامح هذا الخطاب التجديدي، فيما يأتي:
ثالثًا: خطابه الإسلامي في فترة التسعينيات .
في مرحلة التسعينيات كانت شهرة الشيخ الزنداني قد بلغت أوجها وبلغت الآفاق، وكان العالم يشهد أحداثًا ساخنة، سيما مع حرب الخليج الثانية وغزو العراق للكويت، 1990م، وقيام الوحدة اليمنية، 1990م، وأبرز ما تميز به خطابه في هذه المرحلة أنه كان أقرب إلى الخطاب المحلي اليمني ويحمل هموم الشأن اليمني، بدءًا بمعركة الدستور وانتهاءًا بنظرياته الاقتصادية والعلمية المحلية، ومن أبرز ملامح خطابه الدعوي في هذه الفترة ما يأتي:
وأذكر من الوسائل التي اخترعها رحمه الله لتعرية الدستور وبيان الرفض الشعبي له، جمع التوقيعات الشعبية، والتي بلغت عشرات الآلاف، وكان رحمه الله يأخذ الأيمان على جمهور الحاضرين لمحاضراته، يتعهدون بنصرة الكتاب والسنة ومعارضة الدستور العلماني ومقاطعته.
ومما أذكره في هذه الفترة أيضًا أنني حضرت له محاضرة رمضانية في جامع الأسودي بمدينة الحديدة وقد امتلأ المسجد عن آخره، وكل ساحاته وجدرانه، ولم أجد مكانًا لسماع المحاضرة سوى إحدى شبابيك المسجد الخارجية، ولأول مرةٍ في تاريخ المحاضرات ارتقى الشيخ رحمه الله منبر خطبة الجمعة حتى يراه الجماهير الحاشدة، ليلقي محاضرته، واستمرت المحاضرة لساعتين ونصف أو ثلاث ساعات، وحضرها معظم علماء الحديدة، من أبرزهم العلامة الجهبذ/ عمر أحمد سيف، رحمه الله.
وظلّ على هذه الحال من التدريب والتهيئة للطلاب حتى نهاية التسعينيات، وكان منبره هو منبر جامعة الإيمان، ومنبر جمعتها، إلى أن جاءت أحداث 11سبتمبر والتي قلبت العالم كله رأسًا على عقب، وغيّرت وجه العالم، وهنا بدأ رحمه الله مرحلةً جديدة من الخطاب الدعوي.
وفي ليلة ال 11 من سبتمبر، بتوقيت صنعاء، كنتُ وبعض طلَبته من جلسائه في تلك الليلة، بل وتلك الساعة أثناء الهجمات الإرهابية على نيويورك وواشنطن، وكان بعض حرسه يزوده بالأخبار مشافهة، وأذكر أنه دار حوار ساخن تلك الليلة عن الحكم الشرعي في تلك الحادثة الكبرى والأليمة، التي هزت أرجاء العالم، فكيف استقبل الشيخ الزنداني أحداث ال 11 من سبتمبر وبماذا علّق، عند أول خبر يسمعه عن هذه الهجمات؟ وما هي رؤيته الشخصية والفقهية للأضرار الناجمة عن هذه الهجمات، وظنّي أنّ من يقرأ وبتمعن هذه الورقة، وأصول الشيخ الإيمانية والعقدية، يستطيع أن يستنبط الجواب الكافي، لموقف الشيخ الزنداني لهجمات ال 11 من سبتمبر، من خلال سيرة ومسيرة ودعوة الرجل، وعلى كلٍ أتناول أحاديث الذكريات لتلك الحادثة العالمية، الحرجة والعصيبة، محليًا وعالميًا وزندانيًا، في الحلقة القادمة، بعون الله.
---------------
الهوامش:
