آخر الاخبار

حرب إيران تدفع بنوكاً عالمية لإعادة ترتيب عملياتها في الإمارات وقطر مأساة في رمضان.. لغم حوثي يُنهي حياة أطفال كانوا يرعون الأغنام بمديرية عبس عضو مجلس القيادة ''الصبيحي'' يبحث في الرياض مع السفير الأمريكي الوضع في اليمن والاعتداءات الإيرانية على دول الخليج والمنطقة منحة يابانية لدعم مشروع إنساني يستهدف النازحين والمجتمعات المضيفة بمأرب  بقيمة 5.3 مليون دولار لبنان تعد بإنهاء مغامرة حزب الله في الحرب الإيرانية عاجل: عضو مجلس القيادة الرئاسي سالم الخنبشي يصل المكلا ويهدد باللجوء للحسم العسكري إذا فشلت المفاوضات مع الحوثيين ويتوعد المجلس الانتقالي منع رفع صور عيدروس الزبيدي في حضرموت والمحافظ يتوعد بإغلاق جميع مقار المجلس الإنتقالي المنحل مشروع يمر عبر اليمن من شأنه اسقاط القيمة الإستراتيجية لمضيق هرمز وينهي الإبتزاز الإيراني : عملية نوعية تنجح في ضبط شحنة أجهزة متطورة لتعدين العملات الرقمية في منفذ شحن.. إفشال تهريب الأموال خارج اليمن.. تفاصيل آخر تحديث بأسعار الجرام والجنيه الذهب في اليمن

قراءة لدور السعودية في اليمن خارج سرديات تضليل المبعوث الأممي
بقلم/ علي محمود يامن
نشر منذ: شهر و 8 أيام
الأحد 01 فبراير-شباط 2026 05:58 م

شكّل الموقف السعودي من الأزمة اليمنية التي اندلعت على خلفية الاحتجاجات الشعبية عام 2011 امتدادًا لتاريخ طويل من التداخل السياسي والأمني بين البلدين، وجاء معبّرًا عن مقاربة واقعية سعت إلى إدارة التحولات اليمنية بما يحفظ الاستقرار الإقليمي ويحدّ من مخاطر الانهيار الشامل للدولة. ولم يكن هذا الدور منفصلًا عن السياق العربي العام آنذاك، الذي اتسم بضعف النظام الإقليمي، وتراجع قدرته على احتواء تداعيات موجة الاضطرابات التي اجتاحت عددًا من الدول العربية، وما رافقها من تدخلات إقليمية ودولية استثمرت حالة الفوضى لإعادة تشكيل موازين القوى على حساب الدول الوطنية.

 

في هذا الإطار، يمكن فهم الانخراط السعودي–الخليجي في الأزمة اليمنية بوصفه استجابة لاعتبارات أمنية وسياسية مشروعة، ونتيجة مباشرة لطلب قوى يمنية رأت في الوساطة الخليجية عامل توازن ضروريًا لمنع انزلاق البلاد إلى العنف والفوضى. كما عكس هذا الانخراط إدراكًا جماعيًا داخل مجلس التعاون الخليجي للمخاطر المترتبة على تفكك الدولة اليمنية، في ظل هشاشة بنيتها المؤسسية، وتشابك مراكز القوى القبلية والعسكرية، وتصاعد نفوذ الفاعلين المسلحين من خارج إطار الدولة.

 

وقد انطلق هذا الدور من مقاربة تقوم على إدارة الأزمة ضمن إطار سياسي توافقي، هدفه تهيئة شروط انتقال سلمي للسلطة، عبر آليات حوارية تراعي التوازنات الداخلية اليمنية والاعتبارات الإقليمية والدولية. وتجلّى ذلك بوضوح في تبنّي المبادرة الخليجية باعتبارها الإطار الناظم للمرحلة الانتقالية، ومحاولة لتجنيب اليمن سيناريوهات التفكك أو الحرب الأهلية المبكرة.

 

ومع تراجع قدرة الأطراف اليمنية على الاستمرار في التصعيد، وتقلّص هوامش المناورة أمامها، برز الدور السعودي–الخليجي كأحد المحددات الأساسية لمسار الأزمة، وعنصرًا مؤثرًا في إعادة تشكيل المشهد السياسي خلال المرحلة الانتقالية. وقد أسهم هذا الدور في الحدّ من الانهيار الكامل لمؤسسات الدولة، رغم ما شاب عملية التنفيذ لاحقًا من اختلالات بنيوية، وضعف التزام الأطراف المحلية باستحقاقات التسوية.

 

وعلى الصعيد الداخلي، تبلورت إزاء هذا الدور مقاربتان يمنيتان متعارضتان. الأولى رأت في الأزمة نتاجًا لتراكمات سياسية داخلية مزمنة، لا يمكن تجاوزها إلا عبر مسار حواري منظّم يحظى برعاية إقليمية ودولية، واعتبرت الدور السعودي–الخليجي عنصرًا ضامنًا لوحدة اليمن واستقراره، شريطة التزامه بالحياد ووضوح آلياته التنفيذية. واستند هذا التيار إلى عمق العلاقات اليمنية–السعودية، والمصالح الأمنية المشتركة، خصوصًا في ما يتصل بمكافحة التطرف وضبط الحدود، وهو موقف حظي بتأييد سياسي وإعلامي ملحوظ.

 

في المقابل، تعاملت المقاربة الثانية للمليشيات التابعة لايران بالرفض للمبادرة الخليجية بينماء تعاملت القوى المتضررة من حالة التغير مع الأزمة باعتبارها امتدادًا مباشرًا لموجة “الربيع العربي”، ورحّبت مبدئيًا بالدور الخليجي على نحو تكتيكي، قبل أن تنقلب عليه عندما فشلت في توظيفه لخدمة أجنداتها السياسية. وسعت هذه القوى إلى إعادة توصيف الانخراط السعودي–الخليجي بوصفه تدخلًا في الشأن الداخلي، متجاهلة طبيعته التوافقية، ومطالبها السابقة به .

 

وقد تماهت هذه السرديات مع أجندات إقليمية ودولية هدفت إلى توتير العلاقات اليمنية–السعودية، عبر توظيف أطراف داخلية كأدوات سياسية وإعلامية لتصدير أزماتها، والهروب من استحقاقات الواقع الداخلي. وتجاهل هذا الخطاب حقيقة الترابط الجغرافي والأمني بين البلدين، وما يفرضه من ضرورة التعامل مع تداعيات الأزمات بوصفها عابرة للحدود، بما يجعل التدخل الإقليمي الإيجابي، متى ما كان منضبطًا وشرعيًا، خيارًا واقعيًا لا غنى عنه.

 

وفي هذا السياق، تبرز تصريحات المبعوث الأممي السابق إلى اليمن، جمال بن عمر، باعتبارها جزءًا من الجدل المستمر حول أدوار الفاعلين الإقليميين والدوليين في الأزمة. فقد أقرّ بن عمر في أكثر من مناسبة بالدور الإيجابي الذي لعبته المملكة العربية السعودية بين عامي 2011 و2015، مؤكدًا أنها لم تتدخل في الشؤون الداخلية اليمنية وقدّمت دعمًا اقتصاديًا مهمًا. غير أن هذه التصريحات لم تُنهِ الجدل حول أدائه، في ظل اتهامات وُجهت إليه من قِبل سياسيين يمنيين بتسهيل تمدد جماعة الحوثي، عبر تغطية تحركاتهم العسكرية بخطاب سياسي ملتبس، وجولات وساطة أسهمت عمليًا في إرباك المشهد.

 

كما أثارت تصريحاته بشأن المبادرة الخليجية جدلًا واسعًا، حين وصفها بأنها “لم تكن خليجية سوى بالاسم”، وهو توصيف يتجاهل الدور المحوري الذي اضطلعت به دول مجلس التعاون، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، في رعاية المبادرة وضمان قبولها إقليميًا ودوليًا. وفي المقابل، لا يمكن إغفال دور الأمم المتحدة في صياغة آليتها التنفيذية، التي أرست خريطة المرحلة الانتقالية، بما شمل تشكيل حكومة توافق وطني، وانتخاب رئيس جديد، وعقد مؤتمر الحوار الوطني، والشروع في إعادة هيكلة المؤسستين العسكرية والأمنية.

 

ورغم النجاح المنهجي لمؤتمر الحوار الوطني، فإن تعثر تنفيذ مخرجاته كشف عن عمق الأزمة البنيوية في النظام السياسي اليمني. فقد تبادلت الأطراف الاتهامات بشأن تعطيل المسار الانتقالي، بين تحميل الرئيس عبد ربه منصور هادي مسؤولية أشارك مليشيات مسلحة تقوض موسسات الدولة في الحوار قبل القائها السلاح ، واتهام الحوثيين بنقض التزاماتهم السياسية واللجوء إلى القوة لفرض وقائع جديدة على الأرض. ويخلص هذا المشهد إلى أن فشل المرحلة الانتقالية كان نتاجًا لتقاطع أخطاء جميع الأطراف، مع استغلال الحوثيين لهذه الاختلالات للوصول إلى صنعاء.

  

وجدّد المبعوث الأممي السابق إلى اليمن، جمال بن عمر، في مقابلة على قناة التلفزيون العربي، سرديته الملتبسة التي تزعم أن التدخل العسكري السعودي في اليمن في مارس/آذار 2015 هو الذي أجهض مساعي الأمم المتحدة للتوصل إلى حلّ شامل للأزمة اليمنية.

 

غير أن هذه الرواية تنطوي على مغالطة واضحة؛ إذ إن التدخل العسكري لم يحدث إلا بعد نحو ستة أشهر من اجتياح مليشيات الحوثي للعاصمة صنعاء بدعم إيراني، ثم تمددها جنوبًا ووصولها إلى عدن لملاحقة الرئيس المنتخب عبدربه منصور هادي وقيادة الدولة، وفرض واقع انقلابي بالقوة المسلحة

   

يملك بن عمر تفسيراً خاصاً لتفاقم الأوضاع في اليمن واتجاهها نحو الحرب، حيث يعتقد أن "تغير القيادة في السعودية" دفعت بالأحداث نحو منحى مختلف.

  

وقال بن عمر إن موقفه كان "واضحاً" بأن النزاع في اليمن "لا يمكن أن يُحل بالطرق العسكرية" وإنما "بالسياسة والدبلوماسية"، وقال إنه عارض "التوجه للحرب لحل قضية اليمن بالطرق العسكرية".

   

وقال بن عمر إن الحوثيين "استغلوا بلادة الأطراف السياسية الأخرى" ووصلوا إلى صنعاء مستفيدين من "الأخطاء القاتلة وبلادة خصومهم السياسيين".

  

إن القراءة التاريخية لمسار العلاقات اليمنية–السعودية تُظهر أنها، اتسمت عمومًا بدعم الاستقرار ومساندة اليمن في محطات مفصلية من تاريخه المعاصر. وبحكم الجوار والمصالح المتشابكة والروابط الاجتماعية والدينية، شكّلت هذه العلاقة ضرورة استراتيجية لكلا البلدين، وعنصرًا أساسيًا في معادلة الأمن والتنمية الإقليمية.

 

وعليه، فإن محاولات تشويه الدور السعودي في أزمة 2011، أو إخضاع العلاقات اليمنية–السعودية لحسابات سياسية ضيقة، تظل قراءات انتقائية لا تصمد أمام حقائق الجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح. وستظل هذه العلاقة إطارًا حتميًا للتعاون والاستقرار، وعنصرًا فاعلًا في صياغة توازن إقليمي أكثر أمنًا واستدامة